✍️ ملهي شراحيلي

يحكى أنه في يوم من الأيام، قبل أن توجد الكلمات، كان هناك ولد صغير يدعى “نعم” يعيش في قرية صغيرة داخل مملكة صغيرة، كان نعم أحسن ولد في القرية في كل شيء، وكان أذكى من أي شخص آخر في القرية .وكان لنعم أخ آخر يدعى “لا”، وكان “لا” يغار من أخيه “نعم” لأنه أفضل منه في كل شيء، وجميع أهل القرية كانوا يحبونه، لأنه كان دائمًا يساعدهم بينما “لا” كان دائمًا يرفض مساعدة أهل القرية.في أحد الأيام أضطر والد “نعم” و “لا”، وكان اسمه “حسناً” أن يسافر بعيدًا لمدة طويلة، وكان حسنًا يملك بعض حيوانات، فطلب من ولديه “نعم” و “لا”، أن يهتمّا بالحيوانات الثلاثة ويحسنوا رعايتها .بعد سفر الوالد كان “نعم” يهتم بالحيوانات ويرعاها كما طلب منه والده، بينما أخوه “لا” كان يجلس على البحيرة ولا يفعل شيئًا، وفي أحد الأيام ذهب “نعم” للبحث عن طعام للحيوانات، وطلب من أخيه “لا” أن يرعى الحيوانات حتى يعود، ولكن “لا” لم يهتم بكلام أخيه ونام على شاطئ البحيرة.وكان للملك طريق مخصص له داخل القرية يسير فيه بعربته، وبينما كان “لا” نائمًا مشت الحيوانات واتجهت إلى الطريق المخصص للملك، وفي نفس الوقت خرج الملك ليتمشى بعربته، وبينما هو سائر في طريقة وجد الحيوانات على الطريق، فحاول أن ينحرف بالعربة حتى لا يصطدم بالحيوانات، فانقلبت عربته ووقع الملك على الأرض وتألم .شعر الملك بالغضب واستدعى أهل القرية، وسألهم من ترك تلك الحيوانات تسير في طريقه المخصص؟!. كان “نعم” قد عاد من رحلة البحث عن الطعام، ولأنه لا يستطيع أن يكذب فقد أخبر الملك بالحقيقة.قرر الملك أن يرسل “نعم” و”لا” إلى قلعته ليعملا بها، عقابًا لهم على تركهم الحيوانات في الطريق، وبالفعل ذهب الأخَوان للعمل في قلعة الملك، وكان في القلعة الكثير من العمل.لكن مع الوقت أدرك الملك أن “لا”، لا فائدة منه فهو لا يقوم بأي عمل بينما “نعم” يقوم بكل العمل بمفرده. وفي يوم من الأيام قرر الملك أن يقيم حفلة كبيرة في القصر، وقد حضر الطهاة من جميع أرجاء الملك ليقدموا أطباقهم للملك في الحفل .جاء أحد الطهاة ومعه فطيرة توت لذيذة ، يحبها الملك بشدة، ولذلك طلب من “نعم” أن يأخذها من الطاهي ويدخلها إلى القاعة، وبعد قليل جاء طاهي آخر وأحضر طبق شوربة خضراء، وكان الملك لا يحب الشوربة الخضراء ولكنه خشي أن يغضب أهل المدينة إذا رفض تناول الشوربة .فكّر الملك وقرّر أن يرسل “لا” لجلب الشوربة من الطاهي، ولكن “لا” أوقع وعاء الشوربة من يده وانسكب على الأرض، بعد ذلك تعوّد الملك أنه إذا أحب شيئًا وأراد منه المزيد يقول “نعم” وإذا كره شيئًا يقول “لا” !. ومنذ ذلك اليوم أصبحت كلمة نعم تعني نعم وكلمة لا تعني لا.إن الحياة في حد ذاتها ظاهرة مثيرة للاهتمام، وفي دهاليز الحياة، ماهو أكثر إثارة، لاسيما فيما يخص العلاقات الإنسانية، والتواصل بين بني البشر، وتحديداً، تلك القرارات التي نتخذها يومياً، وفي الحقيقة أن تلك القرارات، التي لا نعيرها الاهتمام، ونعتقد أنها بسيطة وسهلة هي التي قد تغير مجرى حياتنا.هنا نتحدث عن كلمتين من أعظم الكلمات التي تجري على ألسنتنا بإستمرار، إنهما كلمة “نعم” و “لا”، على شكل قرارات نتخذها دون أن نشعر!.فكم من المرات ندمنا لأننا قلنا نعم، في مواقف كان يفترض أن نقول فيها لا!.ونادراً ما نندم لأننا قلنا لا، في مواقف كان يفترض أن نقول فيها نعم!!.وفي حقيقة الأمر أن المسألة أكبر من نعم ولا معاً. إن الصورة الموجودة في ذهنك، لما يُفترض أن تكون عليه، هي القضية الأهم!، فنحن في تعاملنا مع من حولنا، نغلّب ( غالباً) صورتنا التي نفترض أنها لدى الآخرين، وعليها نتخذ قراراتنا!.بعبارة أخرى نحن نخشى أن تهتز صورتنا (التي هي أصلا ليست سوى تصورات لأذهاننا عن ذواتنا لدى الآخرين) أي أننا نهتم بنتيجة رد فعل الآخرين على قراراتنا، وليس لقناعاتنا بقراراتنا!.سألني أحد الأصدقاء: متى الواحد يقول لا ؟!؟وحقيقةً أن هذا ليس مجرد سؤال! ، لأن إجابته تحتاج كتب، إن لم تكن مجلدات، ولأن أغلب مشاكل البشرية تأتي من هنا، من هذه القرارات التي نعتقد أنها بسيطة وسهلة بينما في الحقيقة أنها كما قال أحد الفلاسفة:إنها أصغر القرارات التي يمكن أن تغير حياتك إلى الأبد.ومن نافلة القول، أنه لايوجد قرار صحيح وقرار خاطئ، ولكن لكل قرار قيمته.وإذا كان النجاح هو نتيجة لقراراتك، بغض النظر عن الموقف، فالفشل أيضاً هو نتيجة لقرارتك، وفي النهاية أيٌ ما تقرره فأنت تقرر مصيرك. إن القرار المناسب، في الوقت المناسب، هو ذلك القرار الذي تتخذه بمحض إرادتك، ولا تشعر بالضيق من اتخاذه، بغض النظر عن نتائجه وتداعياته وما قد يسببه لك، سواءً جلب منفعة، أو درء مفسدة.أما إذا كنت تتخذ قراراتك إرضاءً للآخرين، أو لكي لا تهتز صورتك لديهم، أو لكي تظل في أعينهم الشخص المثالي، فمثل هذه القرارات أضرارها أكثر من نفعها، وسوف تنقلب عليك إن آجلاً أو عاجلاً.إن كلمات، نعم، وأبشر، وحاضر، ومرادافتها وكل مافي حكمها، إذا قيلت دون قناعة تامة، ومقدرة على التنفيذ، فسوف تنتهي بصدمة للطرفين!!. فقائلها إن لم يتمها فسوف يُتهم بالكذب، ومن قيلت له، إذا لم تتم سوف يشعر بالخذلان.وإن تمت والحال كذلك، فقائلها سوف يشعر بالندم، ومن قليت له- وإن تحقق له مراده- إلا أنه سوف يعتبر الأمر ضربة حظ.والأفضل من قول “نعم” بدون قناعة، قول لا، وإن سببت حينها جرحاً للآخر، أو صدمة، فعاقبتها القبول، ولن يندم قائلها، ويستطيع أن يحولها إلى “نعم” متى ما اقتنع.فقول لا وبعدها نعم أمر حسن وممكن، لكن أن تقول نعم وبعدها لا، فهذا هو الخطأ بعينه.قال الشاعر الجاهلي، مثقب العبدي:لا تَقولَنَّ إِذا ما لَم تُرِدأَن تُتِمَّ الوَعدَ في شَيءٍ “نَعَم”حَسَنٌ قَولُ “نَعَم” مِن بَعدِ “لا”وَقَبيحٌ قَولُ “لا” بَعدَ “نَعَم”إِنَّ “لا” بَعدَ “نَعَم” فاحِشَةٌفَبِلا فَاِبدَأ إِذا خِفتَ النَدَمفَإِذا قُلتَ (نَعَم) فَاِصبِر لَهابِنَجاحِ الوَعدِ إِنَّ الخُلفَ ذَم.وأخيراً فإن الفهم الأعمق لحياتنا، هو أن كل مامر وما سيمر بنا في حياتنا ليس لنا الحق في أن نطلق عليه حكمًا بالخير أو الشر، ولا يجب أن نندم إلا على المعاصي، وأما إذا فتحنا باباً للندم على قراراتنا، وندمنا على ما قدمنا، ولماذا قلنا نعم، فيما كان يفترض أن نقول لا، فنحن هنا دخلنا مرحلة الصراع، إن لم تكن مرحلة الضياع، لأن العودة للماضي وتغيره مستحيل، وعلينا أن ندرك أن تلك القرارات التي اتخذناها (بغض النظر عن وصفنا لها) ليست سوى مقتضى الحكمة الآلهية التي تسير بنا في الطريق المرسوم الذي يوصلنا لغايتنا، وطالما نحن نتقلب بين الرضا والصبر، والحمد والشكر، فنحن في خير .بقلم ملهي شراحيلي

المادة السابقة” عدسة الرؤية ” تتجول في معرض اضطراب التوحد بالطائف
المقالة القادمة” الأرصاد ” : أمطار متوسطة إلى غزيرة على منطقة جازان