✍️ ملهي شراحيلي

تتسارع الأحداث، وتتغير الخطط، وتتبدل المواقف، ليس لأن العالم مُقبِل على حدث عظيم! ولا لأن النظام العالمي القديم أوشك على الرحيل، وإن كانت هذه الأسباب كفيلة بإحداث هزّة في أركان العالم، ولكن لأن التغيير بحد ذاته هو الثابت الوحيد في هذا الكون الفسيح. ولا ثبات لشيء سوى التغيير.

إن ما يشهده العالم اليوم، من تحولات سياسية، وأزمات اقتصادية، ونزاعات عسكرية، مع أن هذه الأشياء ليست حديثة، ولا أول مرة يشهدها العالم، ولن تكون الأخيرة، إلا أن حجمها وحدّتها وتسارعها واتّساعها، يستدعي التأمل فيها، وتفحّصها بعناية، والتدقيق في أسبابها، والوقوف على مسبباتها، وتحليل جذورها، لمعرفة نتائجها، والاستفادة من تبعاتها، والتحوّط لعواقبها.

لقد شهدت البشرية منذ نشأتها، عدداً من الكوارث، منها ماهو طبيعي، كالغرق والزلازل والبراكين، والمجاعات، والتفشيات المرضية، وغيرها من الظواهر الطبيعية، ومنها ماهو بشري كالحروب.
وقبل أن تطأ أقدام البشر وجه الثرى، لم تكن الأرض أحسن حالاً، فقد شهد الكون بأسره ،بما فيه الأرض، كوارثاً لا تعد ولا تحصى، وعصوراً متنوعة، ومراحل متقلبة، نتج عنها فناء مخلوقات وظهور مخلوقات جديدة.
وحتى العالم الحديث، شهد من الأحداث مالا يتّسع المجال لذكره، وليس الحديث هنا عن تلك الأحداث.

إن ما يشهده العالم اليوم، تأتي أهميته من كونه يمثل بالنسبة لنا ظاهرة لم نشهدها من قبل، ولن يكون في نظرنا كالأحداث السابقة التي قرأنا عنها.

لقد شهدنا والعالم خلال الأعوام الماضية، أول ظاهرة اجتاحت العالم، وهي جائحة كورونا، وكانت الحدث الأهم، والظاهرة الأعم في العالم الحديث، وما ترتب عليها من إجراءات، ومانتج عنها من تداعيات لاتزال جاثمة على صدور أغلب دول العالم، وما إن خفّت حدّتها، وخَبَت جذوتها، حتى اشتعلت في أوكرانيا الحرب الروسية، هذه العملية التي توشك أن تزلزل العالم، وتحطّم الحدود، وتطمُر دولاً، وتُنشيء دولاً أخرى، وهي لاتزال في شهورها الأولى.
والسؤال المطروح الآن هل توجد علاقة بين كورونا وحرب أوكرانيا؟
وهل الخلافات الدولية الحاصلة الآن بين أغلب دول العالم بسبب أوكرانيا؟
والأهم من هذا وذاك، ماهي الأسباب الحقيقية في الأزمة الاقتصادية العالمية!؟.

من وجهة نظري الشخصية أن الكون كله مترابط ببعضه البعض، وأي خلل في جزءٍ منه يؤثر على الأجزاء الأخرى، وكل قانون كوني يتداخل مع القوانين الأخرى، ولا يمكن لأي قانون أن يعمل بصورة طبيعية في حال حدوث مشكلة أو خلل في أي قانون آخر، فالقوانين الفيزيائية، على سبيل المثال، لن تعمل بدون الكيمائية، والحركية، تحتاج إلى الديناميكية، وهكذا باقي القوانين الكونية، والحال كذلك في كل جزء من هذا الكون، وفي كل العلوم والأنشطة الإنسانية، بل وفي الإنسان نفسه.
واستخلاصاً لما سبق فإن ما يجري من أحداث الآن مرتبطة ببعضها البعض، كما أنها ترتبط بما حدث سابقاً، وبما سوف يأتي لاحقاً.

لقد قام العالم الحديث الذي نعيشه اليوم، بعد حروب طاحنة، كان آخرها الحرب العالمية الثانية، والتي نتج عنها انتصار الحُلفاء على دول المِحوَر، ولو رجعنا إلى التاريخ فيما قبيل الحرب العالمية الثانية، سوف نجد أن العالم شهد قبلها تفشيٍ لأمراض معدية كالطاعون والحصبة، وانتكاسة اقتصادية عُرفت فيما بعد بالكساد العظيم، وما أشبه الليلة بالبارحة!!.

بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، قام المنتصرون(الحلفاء) بوضع قوانينهم ومواثيقهم، وأعادوا كتابة التاريخ بما يتوافق وأهدافهم، وغاياتهم، وأسّسوا مجلساً سياسياً عالمياً، أسموه مجلس الأمن الدولي، وهيئةً لهم عُرفت فيما بعد بهيئة الأمم المتحدة بعد أن كانت عصبة الأمم المتحدة، واستمر الحال على مانحن عليه إلى أن جاءت كورونا وخلفتها أوكرانيا.

واليوم يشهد العالم أزمة اقتصادية، يُعزي البعض أسبابها إلى الحرب الروسية الأوكرانية، والبعض يرى أنها بسبب جائحة كورونا، وما رافقها من إغلاقات وحِجر صحي، كبّد الاقتصاد العالمي خسائر بالمليارات، ولم تظهر هذه الخسائر إلا بعد الحرب الروسية الأوكرانية!!.

والحقيقة( من وجهة نظري) أن السبب الرئيسي في الأزمة الاقتصادية العالمية، لاسيما في الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، جاءت بسبب بعض الإجراءات التي اتخذتها تلك الدول في العشرين سنة الماضية، منذ أول ظهور للسيارات الكهربائية، واندفاعهم نحو الطاقة الشمسية، ومحاربتهم للنفط تحت شعار التغيير المناخي والاحتباسي الحراري!!.
لقد كانت أوروبا في عام ١٩٨٠م، تكرر 22.5 مليون برميل نفط يومياً، بينما الآن لا تتعدى قدرتها التكريرية 13.6مليون برميل في اليوم.
أضف إلى ذلك أنها بالغت في رفع الضرائب بشكل هائل، لدرجة أن وصلت الضريبة على النفط أكثر من ٩٠% في بعض دول أوروبا!!، وقامت بإغلاق مفاعلاتها النووية ومصافيها البترولية، وحاربت كل من يستثمر في النفط، في الداخل والخارج!.
والحال كذلك في الولايات المتحدة الأمريكية، التي لم تكتفِ بمحاربة النفط، بل سنّت قوانين وشرّعت أنظمة لمعاقبة من يتعامل مع النفط، مما تسبب في عزوف الاستثمارات في مجال النفط على مستوى العالم.
والأدهى من هذا والأمر، أن الولايات المتحدة الأمريكية، تنكرت للمواثيق والأنظمة التي قام عليها النظام العالمي الحديث، واستأثرت بالقرار عن باقي أعضاء المنظمة، بل حتى الخمسة الكبار (الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي) صادرت الولايات المتحدة الأمريكية حقوقهم، وكتمت أصواتهم، وبدأت تفرض عليهم رأيها، وتملي عليهم أوامرها، مما تسبب في تمدد الصين، وتمرُد روسيا.
وعلى مشتقات النفط أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية حربها، وجندت أتباعها، وأوهمت شعبها أن النفط هو سبب الكوارث!.
واليوم تبدي انزعاجها، ولا تخفي امتعاظها، وتنوي تكشّر عن أنيابها، للضغط على منظمة أوبك، وأوبك بلس، لزيادة الإنتاج وتخفيض الأسعار!!. بعد أن أوشك الاقتصاد الأمريكي وخلفه العالمي، الدخول في مرحلة الركود.
ولقد صدق الشاعر العبّاسي، الأحنف العبكري، حين قال :
صافِ الكريمَ فخير من صافيته
من كان ذا حسب وكان ظريفا
إن الكريم وإن تضعضع حاله
فالفعل منه لا يزال لطيفا
واحذر مجالسة اللئيم فإنه
يبدي القبيح ويكتم المعروفا
والناس مثل دراهم ميزتها
فوجدت فيها فضّة وزيوفا.

المادة السابقةاحتفال إدارة جمعية شفاء الخيرية ومنسوبيها باليوم الوطني السعودي ٩٢
المقالة القادمةأمانة جازان تعلن عن تفعيل خدمة الدمج والتجزئة للأراضي السكنية عبر “منصة بلدي”