✍️ ملهي شراحيلي

بإختصار وبدون مقدمات، وقبل الغوص في التفاصيل، والتوسع في الشرح، نعم بالفعل لقد بدأت معركة استعادة تايوان!.
أما كيف؟ ولماذا؟ ومن السبب؟
فالجواب، في زيارة بيلوسي إلى تايوان، ودخولها التراب الصيني، رغم التحذيرات الصينية، وكما قال الشاعر التونسي، الشاذلي خزنه دار:
دخلت مداخلا لا بدّ منها
أتسألني ولست ألام عنها
حقائق قد تلاها الدهر جهرا
وعرفها لنا كنها فكنها
تحركت البسيطة بارتجاج
وحركت الورى فلتسألنها
وتلك تحية بلسان حرب
وكل تحية لا بد تنهى
إذا ما الحرب أجرتها دماء
سنجري القول أبحارا وأنها.

لقد نجحت الصين، في تحقيق أهم أهدافها، ووصلت قبل أن تطأ قدم بيلوسي، تراب تايبيه، إلى هدفها المنشود منذ عقود، بعد أن سمحت للولايات المتحدة الأمريكية، باختراق أجوائها وترابها الوطني، من خلال السماح لطائرة نائبة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي، بالهبوط في أرض تايبيه، العاصمة الإدارية لأقليم تايوان الصيني.
ونجحت (لحد الآن) في ضبط النفس، والتصرف بحكمة، ولم ترتكب حماقة ضد طائرة بيلوسي، ولا حتى الاحتكاك أو الاشتباك مع الطائرات العسكرية الأمريكية التي كانت برفقة طائرة نناسي.
ونجحت ثالثاً، في عدم فتح حرب مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولا أظن أن عاقلاً يتمنى أن تشتبك الصين والولايات المتحدة الأمريكية في حرب، لأن نتائجها سوف تكون كارثية، مع أن كل المؤشرات تدل على أن المواجهة حاصلة لا محالة إن عاجلاً أو آجلاً، ولكن في هذا الوقت تحديداً وبسبب هذه الزيارة التي حظيت بتغطية إعلامية، وتصعيد سياسي غير مسبوق، نجحت الصين في إدارة هذه الزيارة وتجييرها لملفها الدبلوماسي والعسكري.

إن الخلافات الصينية الأمريكية، ليست وليدة اللحظة، ولم تكن زيارة بيلوسي، لتايوان، أولى محطات الصراع، ولن تكون آخر الخلافات بين البلدين، فالاقتصاد والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والانتشار الصيني في إفريقيا، والدعم الصيني لروسيا، وأخيراً تايوان، هي الملفات الأكثر سخونة، والمحطات الأكثر اشتعالاً، بين بكين وواشنطن، مع أن أغلب هذه الملفات والقضايا لم ينل نصيبه من الإضاءة الإعلامية لدى إعلام البلدين.

لقد أعطت بيلوسي، بزيارتها هذه إلى تايوان، إذناً أمريكياً للصين بفرض سيطرتها العسكرية على تايوان، وسمحت أمريكا(بدون قصد) لبكين بتأديب تايوان، وإعادتها للوطن الصيني الأم، لأن أمريكا بهذه الزيارة( رغم التحذير الصيني) انتهكت قانون السيادة الوطنية لجمهورية الصين الشعبية، المعترف بها في مجلس الأمن الدولي، وهيئة الأمم المتحدة، وفي ذات الوقت ارتكبت تايوان مخالفة دستورية، وخرقت النظام الصيني الذي هي جزء منه بحسب الدستور الصيني، وبحسب مواثيق الأمم المتحدة، فجميع دول الأمم المتحدة، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية لا تعترف سوى بدولة الصين.

وعلى هذا الأساس فقد حصلت الصين على مستند قانوني، بفرض سيطرتها العسكرية على تايوان، دون أن تضطر إلى مواجهة أمريكا عسكرياً.
والسؤال المطروح الآن، هل سوف تكتفي الولايات المتحدة الأمريكية بالتنديد والشجب للصين إذا ما شرعت الصين فعلاً بفرض سيطرتها العسكرية على تايوان؟
وهل سوف تكتفي واشنطن بدعم تايوان بالسلاح كما فعلت مع أوكرانيا؟!؟

من وجهة نظري الشخصية، أن نجاح الصين في إدارة ملف تايوان، وتعاملها الحكيم مع زيارة بيلوسي، يعطيها أريحية أكثر ومرونة، في التعامل( عسكرياً) مع تايوان، وتحييد أمريكا.
أما إذا قارنا بين تايوان وأوكرانيا، بالنسبة للوجود الأمريكي والدعم الغربي، لكلا البلدين، نجد أن الوجود الأمريكي في الجزيرة الصينية( تايوان) أكثر منه في أوكرانيا، وكمية الأسلحة والقطع العسكرية في المحيط الهادي أضعاف ماهو في أوكرانيا، مع الأخذ في الإعتبار المساحة المائية الهائلة التي تحيط بتايوان، مما يعني أن مسرح العمليات العسكرية سوف يكون أوسع لأمريكا، كذلك لاتوجد دول كثيرة بالقرب من الجزيرة عكس أوكرانيا، بيد أن ارتباط الصين بأوروبا والعلاقات الاقتصادية الصينية الأوروبية أكبر بكثير من علاقات تايوان، مما يعني أن الأوروبين لن يضحوا بمصالحهم الاقتصادية من أجل تايوان، مما يجعل أمريكا تواجه منفردة، إذا ما قررت دعم تايوان، بالإضافة إلى أن أغلب دول أوروبا مع مبدء الصين الواحدة، وحلف الناتو، لن يكون مع أمريكا في تايوان، لذات الأسباب.

أما بالنسبة لليابان وكوريا الجنوبية وحتى أستراليا، وإن أبدت إستعدادها للتدخل أو حتى الدعم العسكري لتايوان فقدراتهم العسكرية محدودة.

النقطة الأهم والفاصلة في الأمر أن الجزيرة الصينية “تايوان” محدودة القدرات العسكرية، رغم وجود ترسانة من الأسلحة الأمريكية فيها، وبالقرب منها، سواءً تلك الفرقاطات العائمة في المحيط الهادئ، أو غيرها من القواعد العسكرية الأمريكية في اليابان وكوريا الجنوبية، وفيتنام وغيرها، ولكن اسعمالها من قبل التايوانيون غير ممكن، بسبب عدم وجود خبرات عسكرية لديهم، والسبب الأهم لعدم ثقة أمريكا بهم، ناهيك عن إمكانية وصول تلك المعدات إلى الجزيرة بسبب إنتشار الجيش الصيني واحاطته بها من جميع الجهات.
والأهم من هذا وذاك أن أغلبية الشعب التايواني يعارضون وبشدة التصرفات الأمريكية في جزيرتهم، وإن بدا ذلك غير ظاهر في وسائل الإعلام، وقد خرجت اليوم مظاهرات شعبية منددة بزيارة بيلوسي لتايوان، مما يعني أن أقلية بسيطة من التايوانيين يؤيدون زيارة بيلوسي، ويسعون إلى التقرب من أمريكا.
هذا التباين الشعبي في تايوان، سوف يسهل مهمة الصين العسكرية في فرض سيطرتها على تايوان بأقل الخسائر.

خلاصة القول، أن معركة استعادة تايوان قد بدأت فعلاً، مع وصول بيلوسي، إلى تايبيه، ولكن متى؟ وكيف تنتهي هذه المعركة؟
هذا ما ننتظره بفارغ الصبر.

المادة السابقةمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية يعقد اجتماعًا مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)؛ لمناقشة سبل التعاون في خدمة اللغة العربية
المقالة القادمة“نوفاك” يكشف عن مجالات التعاون بين السعودية وروسيا