صحيفة سعودية الكترونية

صحيفة الرؤية الإلكترونية السعودية

من أنت؟

  • 21 فبراير 2021
  • 0
  • 615 مشاهدة

من أنت؟
بقلم ملهي شراحيلي

هل سألت نفسك يوماً من أنت؟
ربما يكون هذا السؤال بديهياً وسهلا ولكن الإجابة عليه تحتاج مجلدات وأيام وليالي إن لم تكن شهور وسنوات، وللأسف فإن الكثير من البشر لايستطيع الإجابة على هذا السؤال لأنه ببساطة لايعرف نفسه!! وإن عرف نفسه فإنها لا يتقبلها ولا يعترف بها ويقضي حياته باحثا عنها في من حوله.
لقد ولدت لتكون حقيقيًا ، وليس لتكون مثاليّاً ، أنت هنا لتكون أنت، وليس لتعيش حياة شخص آخر.
تقليدك للآخرين بغض النظر عن اؤلئك الآخرين، لا يسلبك حريتك التي وهبها الله لك فحسب بل ويجعل منك أعجوبة في أعين الخلق، وبحثك عن ذاتك في عيون من حولك، لاتنقص من قيمتك الإنسانية فقط بل أنها تلغي انسانيتك ووجودك.
وإن ما يساعدك على معرفتك بنفسك معرفتك لمن تقضي أكثر وقتك معهم، وكما قال الجاحظ:
إنك لن تعرف الأمور ما لم تعرف أشباهها، ولا عواقبها ما لم تعرف أقدارها، ولن يعرف الحق من يجهل الباطل، ولا يعرف الخطأ من يجهل الصواب، ولا يعرف الموارد من يجهل المصادر!
لَعَمرُكَ ما الأَيامُ إِلّا مُعارَةٌ
فَما اِسطَعتَ مِن مَعروفِها فَتَزَوَّدِ
عَنِ المَرءِ لا تَسأَل وَسَل عَن قَرينَهُ
فَكُلُّ قَرينٍ بِالمُقارِنِ يَقتَدي.
و‏كن حذراً ممن تتخذ أفكارك، أيا كان مستواهم سواء أصحاب وعي، أو متأخرين، فحياتك ستكون متأثرة بهم.
ولن تعرف من أنت حتى تتحقق بنفسك بالتجربة والخطأ والتحليل والتدقيق، في كل أمر من أمور حياتك، وفي كل معلومة حتى لو بدت المعلومة بالنسبة لك منطقية، وحازت على رضا عقلك.
‏إذا الجود لم يُرزق خلاصاً من الأذى
فلا الحمدُ مكسوباً ولا المال باقيا
وللنفس أخلاقٌ تدلّ على الفتى
أكان سخاءً ما أتى أم تساخيا.

وقد قيل، ‏إنما الناس أحاديث فإن استطعت أن تكون أحسنهم حديثاً فافعل.
وفي الحديث الصحيح عن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المِائَةِ ، لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً )
هذا لفظ البخاري ، ولفظ مسلم : ( تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ ، لَا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً ) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
” فَعَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ وَبِغَيْرِ (تَكَادُ) فَالْمَعْنَى: لَا تَجِدُ فِي مِائَةِ إِبِلٍ رَاحِلَةً تَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ، لِأَنَّ الَّذِي يَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَطِيئًا سَهْلَ الِانْقِيَادِ، وَكَذَا لَا تَجِدُ فِي مِائَةٍ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَصْلُحُ لِلصُّحْبَةِ، بِأَنْ يُعَاوِنَ رَفِيقَهُ وَيُلِينَ جَانِبَهُ.
يَطيبُ العَيشَ أَن تَلقى حَكيماً
غَذاهُ العِلمُ وَالظَنُّ المُصيب
فَيَكشِفُ عَنكَ حيرَةَ كُلِّ جَهل
فَفَضلُ العِلمِ يَعرِفُهُ الأَديب
سَقامَ الحِرصِ لَيسَ لَهُ دَواءُ
وَداءُ الجَهلِ لَيسَ لَهُ طَبيب.
أنت لست ذلك الطفل الذي كان يلهو بين أقرانه ويمرح، ولست ذلك الشاب الذي يتطلع إلى المستقبل، ولن تكون ذلك الشيخ الذي انحنى ظهره، وضعف بصره، وخارت قواه، مع أن لكل مرحلة من عمر الإنسان ما يميزها، فما يليق بالشباب لايليق ولا يحسن بسن الكهول، كما أن تقليد الكهول ومحاولة التخلق بأخلاقهم لمن هم في سن الشباب نوع من الجنون والأعظم منه جنوناً أن تكون شيخاً كبيراً وأنت لاتزال تقبع في مرحلة المراهقة.
أَتَرجو أَن تَكونَ وَأَنتَ شَيخٌ
كَما قَد كُنتَ أَيّامُ الشَبابِ
لَقَد كَذَّبتَكَ نَفسَكَ لَيسَ ثَوبٌ
دَريسُ كَالجَديدِ مِنَ الثِيابِ.

هل تدري من أنت؟
أنت خامس الأربعة الذين تقضي يومك معهم!
أنت ما تبعث من رسائل ومشاركات في مواقع التواصل الإجتماعي!
وحقيقة أن الكثير ممن لانعرفهم كشفت لنا مواقع التواصل الإجتماعي من هم!! من خلال ما يبثون من مواد ومايتابعون من أشخاص وما يقدمون من مشاركات لدرجة أن بعضهم ليس فقط لايعلمون من هم بل ويعانون من أشد الأمراض النفسية والخُلقية من خلال تناقضهم الصارخ وانفصامهم الواضح.
حتى اؤلئك الذين يعيثون فساداً بأسماء مستعارة في مواقع التواصل الإجتماعي المختلفة عرفناهم، ومن لم يظهر بإسمه الصريح فهو يخفي ليس شخصه بل عيوباً فيه!
وأما أصحاب الواتساب تحديداً فمنهم من تجده في قروب داعية وفي قروب آخر أبو نواس، وبعضهم ناصح أمين ولكن في أول نقاش أو إختلاف في وجهات الرأي، ينقلب إلى شيطان رجيم.
يا أيها الرجل الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ
هَلَّا لِنَفْسِك كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ
تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ وَذِي الضَّنَى
كَيْمَا يَصِحَّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيمُ
ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا
فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ
فَهُنَاكَ تُعْذَرُ إنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى
بِالْقَوْلِ مِنْك وَيحصل التسليمُ
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ
عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ.

وأما الكتاب وأرباب الأقلام فينبغي لهم أن لايغيب عنهم ما قاله الخطيب البغداديُّ:
“مَن صنَّف فقد جعَل عقلَه على طبقٍ يعرِضُه على الناس”
وقِيل: “مَن صنَّف كتابًا فقد استُهدِف فإن أحسن فقد استُعطف، وإن أساء فقد استُقذف”
و”عقول الرِّجال في أطراف أقلامِها”.
قيل للشعبيِّ: أيُّ شيء تعرف به عقلَ الرَّجل؟
قال: إذا كتَب فأجاد.
ويبقى السؤال من أنت؟
أنت لست ذلك الشخص الذي يواسي الآخرين، ولا ذلك الشخص الذي يتمتع بمستوى عالي من الذكاء والفطنة في نظر من حولك، ولا ذلك الشخص الذي في جموع المصلين، ولا ذلك الشخص الذي يحب ويكره، يخاصم ويصالح، يفرح ويحزن، يبتسم ويغضب….
أنت أكبر من تلك المشاعر التي تجتاحك، والهموم التي تسكنك، والروح التي تحركك، والجسد الذي يحتويك
دَواؤُكَ فيكَ وَما تُبصِرُ
وَدَاؤُكَ مِنكَ وَما تَشعُرُ
أَتَزعُمُ أَنَّكَ جُرمٌ صَغير
وَفيكَ اِنطَوى العالَمُ الأَكبَرُ
فَأَنتَ الكِتابُ المُبينُ الَّذي
بِأَحرُفِهِ يَظهَرُ المُضَمَرُ
وَما حاجَةٌ لَكَ مِن خارِجٍ
وَفِكرُكَ فيكَ وَما تُصدِرُ
فحاول أخي الكريم أن تعرف نفسك، قبل أن يعرفك الآخرين على حقيقتك، وتذكر صديقي العزيز أن الطريق طويلة وشاقة نحو تعرّفك الحقيقي على نفسك، لكنها رحلة تستحق التعب، فثمرتها تحفظ وقتك وجهدك، والأهم تسعد قلبك.
إن معرفتك بنفسك تعني تقبلها والعيش بها ولها وفيها، إذا عرفت نفسك أحببتها وعرفت بأنها لا تستحق أن تلغيها إرضاءً للآخرين
وصدقني لن تجد الحب والإحترام والتقدير مالم تقدمه أنت لنفسك قبل أن تقدمه أو تستقبله من الآخرين.
إن الذي يشك في نفسه لايثق في أحد ولا يثق فيه أحد، والذي لايعرف نفسه كيف له أن يعرف حقيقة الآخرين؟
وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.

بقلم ملهي شراحيلي
MelhiSharahili@

أترك تعليق



يجب عليك الدخول لترك تعليق.