صحيفة سعودية الكترونية

صحيفة الرؤية الإلكترونية السعودية

فلسفة التعليم في زمن الحداثة السائلة (التحوّل من التعليم المباشر إلى التعليم الإلكترونيّ 1/3)

  • 22 أبريل 2021
  • 0
  • 346 مشاهدة

فلسفة التعليم في زمن الحداثة السائلة (التحوّل من التعليم المباشر إلى التعليم الإلكترونيّ 1/3)

في المقالات السابقة دار الحديث عن التعليم المباشر والتعليم الإلكتروني كل على حدة، وناقشنا طبيعتهما وماهيتهما والفلسفة التي يستندان عليها في ظل طبيعة جديدة وبيئة مختلفة أطلقنا عليها-استنادا لنظرية زيجمونت بوهمان (زمان السيولة) وهو مصطلح يعكس توغل تكنولوجيا الانترنت وتحكمها في العلاقات الاجتماعية التي تشكل مجتمعات ما بعد الحداثة. ومن أجل استيعاب أشمل للنظامين التعليميين أتناولهما، ضمن محور المقارنة كي تتبين الفروق بينهما التعليم الالكتروني يوظف التكنولوجيا، ويعتمد على العروض متعددة الوسائط، وأسلوب المناقشات وصفحات الويب، بينما التعليم التقليدي يعتمد على الكتاب، دون استخدام أية وسائل أو أساليب تكنولوجية، إلا في بعض الأحيان.
على حين يقوم التعليم الالكتروني على التفاعلية، باستخدام الوسائط المتعددة والإبحار في العروض الإلكترونية، والسماح بالمناقشات التفاعلية عبر الويب، أما التعليم التقليدي فتفاعله يتم بين المعلم والمتعلم والكتاب فيه وسيلة غير جاذبة للانتباه التحديث في التعليم الإلكتروني سهل، وغير مكلف بنشره على الويب، أما عملية التحديث في التعليم التقليدي فغير متاحة؛ فبعد طبع الكتاب يصعب جمعه والتعديل فيه بعد النشر ومرونة الاتاحة للتعليم الالكتروني قائمة ومستمرة، فالدارس يتاح له التعلم في أي وقت؛ ومن أي مكان يمكنه الدخول على الإنترنت، يستمع درسه ليس لمرة بل لأكثر من مرة، بخلاف التعليم التقليدي المحدد في جدول، وأماكن مخصصة ووقت محدد بإقليم وفصل دراسي بمدرسة بعينها مسؤولية التعلم الالكتروني تقوم على الاعتماد الذاتي، حيث يتم التعلم وفقا لقدرات المتعلم واهتماماته، وحسب سرعته والوقت الذي يناسبه، والمكان الذي يلائمه، بخلاف التعليم التقليدي القائم على تواجد المعلم وحضوره، لذا فهو غير متاح في أي وقت، ولا يمكن التعامل معه إلا في الفصل الدراسي فقط ولعل بعض الفروق بين التعليمين اتضحت الآن، لكن يظل السؤال كيف تتم عملية التحول من التعليم المباشر إلى التعليم الالكتروني؟ إن عملية التحول Transformation ليست عشوائية، بل تخضع لشروط أهمها تغيير البنية السوسيو-ثقافية أو البيئة الاجتماعية-التي تتم فيها عملية التعلم؛ لأن التعليم الالكتروني في بيئة تدور حول الطرق التقليدية للتعليم والقياس تجعل الطالب يرتكن الى المهارات التقليدية (الحفظ والتلقين) في إطار بيئة لا تقبل الأفكار الجديدة وتطبيقاتها، وهذا أمر يمثل عنصرا مقاوما لثقافة التغيير وفي المقابل تغيير البنية السوسيو ثقافية لمجتمع التعلم وللمتعلمين تجعل التعليم الالكتروني أكثر قبولا وتحول الطالب عنصرًا نشطا تحفز لديه مهارات التفكير العليا، من تحليل وتأليف وتقييم وإدراك للعلاقات، وكلها نواتج ترتقي بالمتعلم؛ إذا وُجدَت العناصر المدربة التي لديها الاستعداد الكامن للتأهيل وإظهار مرونة تقبل الأفكار الجديدة وتطبيقيها بإخلاص وسؤال آخر متى تنمحي عملية الصراع القائمة بين أنصار النظامين؟
إذا كنا أشرنا من قبل إلى أن عملية التحول- تعكس في جوهرها صراعا عنيفا بين أنصار التعليم التقليدي، وأنصار التعليم الإلكتروني، وبطول أمد الصراع سوف تنعدم تدريجيا القدرة على الاستمرارية من قبل التعليم المباشر، لا سيما في البيئات المنفتحة التي وجدت فيها أدوات ووسائل التكنولوجيا حظا وافرا، وسوف يفقد هذا النمط من التعليم تدريجيا مساحات كان يحتلها حتى وقت قريب، وفي المقابل فالتعليم الإلكتروني سيجد قوة دفع ذاتية، لتمثله لروح العصر، تؤهله أن يحتل البيئات التي تسيطر عليها أدوات ووسائل التكنولوجيا الحديثة.
وأخيرا فإن الإمكانات والجاهزية المادية والبشرية لها القدم المعلى والدور الأكبر في التحول من التعليم التقليدي الرتيب إلى التعليم الإلكتروني النشط، لكنها لن تبلغ تمامها على وجه السرعة أو بسهولة؛ فأنصار التعليم التقليدي لها بالمرصاد، لا يستسلموا بسهولة، وسيظل التعليم التقليدي في المنغلقة، هو نمط التعليم ويظل السؤال هل نحن مستعدون لمواجهة المستقبل بأدوات الماضي أم أننا ينبغي علينا تطوير أنفسنا وتغيير أنماط تفكيرنا لكي نكون مستعدين لمواجهة المستقبل وآلياته بأفكار المستقبل وليس بأفكار الماضي؟ هذه هي الإشكالية والمفارقة التي يجب ننتبه إليها جميعنا على حد سواء كل بحسب موقعه!!
أ / مصباح عزيبي .

أترك تعليق



يجب عليك الدخول لترك تعليق.