فلسفة التعليم في زمان الحداثة السائلة
(التحوّل من التعليم المباشر إلى التعليم الإلكترونيّ 1/1)

بقلم الأستاذة مصباح عزيبي

في العقدين الماضيين انتشر مصطلحا جديدا دشنه عالم بريطاني اسمه زيجمونت بومان (1925-2017) وطبق في العديد من العلوم والمجالات الاجتماعية، ذلك هو مصطلح السيولة (Liquidly) ويقصد به المعارف والمهارات التي يكتسبها الفرد والمجتمع في زمن سيطرة الانترنت ونقل العمليات المعرفية واكتساب المهارات عبر الوسائط الالكترونية المتعددة.
فظهرت مهن جديدة لم يكن لها وجود واختفت مهن لم يستطع أصحابها تكييف أنفسهم لمسايرة التغييرات المستحدثة التي تتطلب من الاتصاف بالمرونة والقدرة على مسايرة تطورات العصر.
في هذا الإطار نتناول مفهوم التعليم ودوره في ظل ثقافتين متباينتين احداهما ثابتة يكون للطالب، والمعلم أدوار محددة ومتوقعة، ويمكن التنبؤ بها، وفى المقابل ثقافة ما بعد الحداثة والعصر التكنولوجي التي تتطلب ضرورة اكساب المعلم والطالب مهارات جديدة وأدوارا جديدة تناسب ظروف العصر ومقتضياته. وكلتا الثقافتين تستندان على فلسفتين مختلفتين وأسس مغايرة.
لهذا تظل فكرة التحول من التعليم المباشر، الذي ترسخت أقدامه في عالمنا، واعتادت عليه الأجيال السابقة إلى التعليم الإلكتروني، الذي فرضه الواقع وروح عصر العولمة وتقنية المعلومات، تظل تلك الفكرة محورا للنقاش لدى المختصين في مجال التعليم على وجه التحديد.
وعملية التحول تمثل في جوهرها صراعا بين فريقين: أنصار التعليم المباشر، المؤمنين بجدواه، واستمراريته، بحيث لا يمكن إقناعهم بسهولة بترك ذلك الإرث التاريخي التراكمي، والتحول إلى التعليم الإلكتروني المستجد، الذي يرون فيه مخاطرة عظيمة، تسحب البساط من التعليم المباشر/ التقليدي، الذي تربوا في رحابه. وأنصار التعليم الإلكتروني، المراهنين على ربط المستقبل به وحده فقط، والذين يرون عدم مواكبة التعليم المباشر لروح العصر وتقنياته. وبما أن الصراع سيظل مستمرا إلى أمد، فمن الضرورة بمكان مناقشة مدى الاستعداد لهذه العملية (التحول)، والتي قد تبدو بسيطة سهلة، ولكنها معقدة غاية التعقيد.
وسـأحاول في سلسلة مقالات طرح عدد من القضايا المرتبطة بالتعليم وفلسفته والاسس التي يقوم عليها في ضوء الفلسفتين. وأبدأ في هذا المقال بالتعريف بالتعليم المباشر، والتعليم الإلكتروني، ماهيتهما، وإيجابياتهما وسلبياتهما.
التعليم المباشر: ماهيته، وإيجابياته، وسلبياته:
يسمى بمسميات منها التعليم التقليدي، والتعليم الحضوري…إلخ، فإن الأدبيات في هذا المجال تقدم لنا تعريفات عديدة، منها: “أنه ذلك النظام التعليمي القائم في المدارس، بشكله المتعارف عليه، حيث يحتوي على كيان فعلي، ومجموعة من الفصول الدراسية، تضم طلابا، ومتعلمين من جميع الفئات، ويتم نقل التعليم لهم من خلال المعلم، حيث يكون هو محور العملية التعليمية، وهو المصدر الرئيسي للمعلومات”. أو “أنه التعليم القائم على إعطاء الدروس التعليمية في غرفة الفصل وجها لوجه، ويجب حضور كل من المعلم والمتعلم في وقت وغرفة الدرس”.
وهذا النمط مستخدم من عدة قرون، أو منذ بدء المنظومة التربوية في العالم، وأسلوبه يرتكز إلى ثلاثة محاور: المعلم، والمتعلم، والكتاب بما يحويه من معلومات؛ لذا لا وجود للوسائل التعليمية المبتكرة أو التكنولوجية”.
وأسلوبه الخاص به أسلوب التدريس المباشر المتكون من آراء وأفكار المعلم الذاتية (الخاصة)، القائمة على توجيه عمل الطالب ونقد سلوكه، وهذا الأسلوب يبرز استخدام المعلم للسلطة داخل الفصل، ودلت التجارب أن لهذا النمط العديد من الإيجابيات، وعليه عديد من السلبيات. فمن إيجابياته:
– التقاء المعلم وجها لوجه مع طلبته، وهي وسيلة مباشرة في نقل المعلومة والمعرفة من المعلم للمتعلم، فالطالب يشاهد حركة معلمه ويشعر بأحاسيسه ومشاعره داخل الصف.
– المعلم يشاهد أحاسيس الطلبة ومشاعرهم أثناء إلقاء درسه، ومدى استجابتهم له، وإقبالهم على التلقي من عدمه، وأكثر المتعلمين، لا سيما في المراحل الابتدائية- يتأثرون بكلام المعلم، وشخصيته أكثر من آبائهم؛ لأنهم يعدون المعلم قدوتهم والأب الروحي لهم.
– هدم انشغال الطالب بغير الدرس.
– سهولة استسفسار الطالب من معلمه.
– التربية العملية من خلال التواصل المباشر, تكوين روح الترابط بين المعلم وطالبه.
أما من حيث السلبيات (العيوب) التي رصدت فبعضها يتمثل في:
– قيود المكان والوقت، التي قد لا تناسب الكثير من الطلاب.
– بعض المواد المطبوعة التي ربما لا تلائم خصائص معظم الطلاب، حيث يتعلم البعض بطريقة سمعية أو بصرية، ولا يميل لقراءة الكتب أو فهمها.
– المعلم هو محور العملية التعليمية، ودوره يعتمد على استقبال المعلومات. وتكدس الفصول الدراسية، واهمال بعض المعلمين الفروق الفردية للطلاب.
– التركيز على التلقين، والاهتمام بالجانب العقلي للطالب من خلال حفظ المفاهيم والمعارف.
– الاعتماد على نتائج الامتحانات التحريرية والشفهية.
– إهمال كثير من المعلمين لجانب الاستقصاء، والبحث عن معلومات إضافية، وتشبثهم بمادة الكتاب المقرر.
– كثرة أعداد الطلاب في وتكدسهم في قاعات الدراسة.
– قلة نماذج الأنشطة الصفية مما يؤدي إلى شعور المعلم والطالب بالرتابة والملل، فيكون المعلم الذي لا يطور من نفسه بمثابة جهاز للتسجيل، والطالب المستمع دائما
أ/مصباح عزيبي

المادة السابقةجمعية البر بجدة توقع اتفاقية شراكة مع شركة المتاجر الكبرى المحدودة
المقالة القادمةأمانة العاصمة المقدسة تواصل حملاتها الرقابية الميدانية والتفتيشية على جميع منافذ بيع المواد الغذائية والباعة الجائلين
مؤسس ورئيس تحرير الصحيفة