صحيفة سعودية الكترونية

صحيفة الرؤية الإلكترونية السعودية

على قدر النوايا تكون العطايا

  • 28 أبريل 2021
  • 0
  • 527 مشاهدة

بقلم : عثمان الأهدل

يقول المولى جل في علاه: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ} [فصلت ١٠].
قدر الله الأرزاق على الأرض وكفلها لجميع خلقه، وجعل السبيل لتحصيلها الأخذ بالأسباب، وجعله سنة مضطردة بين الأنام، أن الرزق ينال بالسعي والكد، فلم يحجب رزقه حتى عمن كفر به طالما أنه قد أخذ بأسباب الرزق، فإذا ما بذر الكافر وسقى فسوف يحصد، وإن عوّل المؤمن على إيمانه في نزول الرزق من السماء وترك الأخذ بالأسباب كان من المتواكلين العابثين.
هو سبحانه الرحمن الرحيم، أرحم الراحمين، وعن رحمته سبحانه يخبرنا سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم : “جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه”.
فرحمته شملت كل من في الكون، يمنع الأرض ابتلاعهم، ويمنع السماء إغراقهم بماء منهمر، بل من رحمته أن بث في أجسادهم ميزان العدل، أن لا تطغى أطرافهم أو أعضاؤهم على بعضها، بل جعلهم في نسقٍ يحار العلم من إبداعه، وكل ذلك رزقٌ منه مالك السموات والأرض وهو العلي العظيم.

وصدق الله حين قال :{ إن الإنسان لربه لكنود }، وقد قيل عنه: “هو الجحود”، وقيل :”هو الذي يأكل وحده، ويمنع رفده”.
الإنسان هو من يضع العراقيل أمام نفسه بكلمات قام باختلاقها، لم ينزل الله بها من سلطان، يكبل بها حياته، ومن ذلك أمثلة أصبحت مألوفة ومتداولة غدت جزءا من أعذاره اليومية، منها ما هو محبط يجعل الإنسان يتخاذل، بل إن بعضها تدخل في صلب العقيدة وتتنافى حتى مع الأخلاقيات والمنطق، وهذا ما جعل الأمة فريسة للتقاعس والرضا بالدونية من الشغف بخيرات الحياة، وذيوع الخور في أوساطها، وهذه المفاهيم تتنافى مع العقيدة السليمة ويعد سوء أدب مع الله تعالى.

قال سبحانه وتعالى :”إن الله يرزقُ من يشاءُ”، فمشيئته لا شك نافذة لا خلاف على ذلك، ولكن في الوقت ذاته، جعل الله للإنسان إرادة واختيارًا في أن يُقبل على أسباب تحصيل الرزق أو العزوف عنها، خلق الأرزاق في الأرض وأعطى الإنسان الحرية يقطف ما يشاء منها، فإن أراد أن يصل إلى العلياء أو يقبع بين الحفر فهو خياره، ومن المجحف أن ننسب ذلك إلى الله، فالله تعالى لم يأمرنا بالفقر ولم يحببه إلينا، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “نِعْمَ المالُ الصَّالحُ للمَرءِ الصَّالح”.
ومن الأقوال الشعبية المأثورة: “مهما تجري جري الوحوش غير رزقك ما تحوش”، أو “المكتوب في الجبين تراه العين”، أمثلة يتم تداولها بشكل واسع ليس في قطر واحد فحسب، بل أصبحت مألوفة لدى الشعوب العربية قاطبةً، وهي وإن كان معناها صحيحا مستلهما من نصوص شرعية تفيد بكتابة الأرزاق، إلا أنها استخدمت لغير المراد منها، فبدلا من استخدامها لتصبير الإنسان وتسليته عن مصائب الدنيا، استخدمت للتواكل وترك الأخذ بالأسباب ودفع الناس إلى الكسل والانكفاء، بينما المولى جل في علاه يقول :{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ }. طلب منا السعي، لا الانكفاء والتخاذل والرضى بالدونية، وتداول تلك الأمثلة الخائبة، أشبه بقول اليهود والعياذ بالله :{يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ}. فالإنسان هو من يجعل العراقيل أمامه ويغلق على نفسه أبواب الرزق الذي يأتي بمباشرة الأسباب، وهو من يبحث عن المقولات التي تبرر له التقاعس، وبمثل هذه المقولات يفرح أعداء الأمة عندما يترك أبناؤها لهم الدنيا بحجة الزهد الزائف أو توهّم التعارض بين العمل للآخرة والتكسب في الدنيا.

الله سبحانه وتعالى سخر الأرض وما عليها للإنسان لتحقيق العبودية وإعمار الأرض، وجعل فيها أقواتها (أرزاقها)، وهو القاهر فوق عباده، وهو الهادي إلى سواء السبيل، والخير كله إليه ويأتي الخير منه.
وهذا ما ينبغي أن نعتقده اعتقاداً جازماً، وإلا لما أصبح بيل جيتس أو ستيف جوب أغنياء رغم بعدهم عن الله، ذلك لأنهم أخذوا بأسباب الرزق التي لم يحجب الله آثارها عن الفاجر والكافر،
فكيف أنت أيها المسلم المؤمن بالله؟
وهنا تحضرني قصة عن ثلاثة كانوا محدودي الدخل فسأل بعضهم بعضا عن أمانيهم، فكانت أمنياتهم بسيطة متواضعة، عدا واحدًا منهم كان غريبا، جعل من نفسه طُرفة كما يعتقدون، إذ قال : أتمنى أن أصبح سلطاناً، وشاء القدر أن يسهل الله له السبل حتى تزوج بنت السلطان وورثه في الحكم. واترك لكم نسج بقية القصة كما تشاؤون، وقد قِيل: “وعلى نياتكم ترزقون”، وإن كانت ليست حديثا إلا أن معناها صحيح مستمد من الأدلة الشرعية.

وعودةً إلى المثل :”المكتوب على الجبين تراه العين”، حتى لا أترك علامة استفهام لدى البعض، إن الله عالم الغيب، الغيب المطلق الذي لا يخفى عنه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو أعلم بتصرفات من خلق ويعلم ما سيقترف من أفعال، وكل ذلك كُتب عنده مسبقاً، لكنه قد جعل لنا إرادة واختيارا، فلم يجبرنا على الإيمان أو الكفر، ولم يجبرنا كذلك على السعي أو التقاعس، وقد يرزقنا الله من حيث لا نحتسب بأن يسوق لنا الأرزاق هدية منه دون عناء إن سعينا إلى رضاه جل في علاه، خاصة إذا عجز الإنسان عن التكسب.

أترك تعليق



يجب عليك الدخول لترك تعليق.