لم يُخف المسؤولون الصينيون نيتهم بأن الجهود المتسارعة في تطبيق ونشر «اليوان الرقمي» ما هي إلا خطوة افتتاحية في طريق استراتيجيتهم طويلة الأجل لتقويض تفوق الدولار العالمي وتوسيع النفوذ. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال كبار المسؤولين الماليين الأميركيين يشيحون النظر عن أي دلالات تنذر بوجود مخاطر أكبر على الدولار، وبالتالي على الأمن القومي للولايات المتحدة في سباق العملات الرقمية العالمي. وحتى مع تقدم الصين للأمام ووصول قيمة «بيتكوين» إلى تريليون دولار، فالاحتياطي الفيدرالي ليس في عجلة من أمره لدخول سباق المنافسة! كانت الخطابات الماضية بمثابة نقطة تحول حكومية ومفترق طرق نحو تبني طرح «الدولار الرقمي» بين أهم المسؤولين الأميركيين المشاركين في التمويل الدولي، مثل وزيرة الخزانة جانيت يلين، ورئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، وجوش ليبسكي، مدير المركز الجغرافي الاقتصادي التابع للمجلس الأطلسي. وألمحت جانيت يلين في مقتطف تاريخي على سناب شات بأنه من المنطقي أن تنظر البنوك المركزية في الأمر. مضيفة: «يعمل المسؤولون في بنك الاحتياطي الفيدرالي في بوسطن مع باحثين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لدراسة خصائص الدولار الرقمي». وصرحت يلين بوجود مشكلة في الشمول المالي وبأن هناك عدداً كبيراً من الأميركيين ليس لديهم حق الوصول إلى أنظمة الدفع السهلة والحسابات المصرفية. مشيرة إلى أن الدولار الرقمي يمكن أن يؤدي إلى مدفوعات أسرع وأكثر أماناً وأرخص. وفي شهادته أمام الكونجرس في اليوم التالي، رسم رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي باول أفقاً جديداً بهذا الخصوص، واصفاً الدولار الرقمي بأنه «مشروع ذو أولوية كبيرة بالنسبة لنا». وأضاف: «نحن ملتزمون بحل مشاكل التكنولوجيا، والتشاور على نطاق واسع مع الجمهور وبشفافية شديدة مع جميع الفئات المعنية إذا لزم الأمر». ومع ذلك، وبينما «يتشاور» بنك الاحتياطي الفيدرالي، الصين «تنفذ». لم تذكر يلين ولا باول الريادة الصينية المتزايدة في تطوير العملات الرقمية. وتتزامن أقوالهم ودعوتهم إلى العمل مع إعلان الصين في وقت سابق من هذا الشهر عن شراكة مهمة مع نظام الدفع عبر الحدود «سويفت» SWIFT، وهذا يحول الشك إلى يقين بأن بكين تعتزم تدويل اليوان الرقمي ونشره على مستوى العالم. في الوقت نفسه، أبرمت الصين اتفاقية تجارة حرة مع موريشيوس، وهي أول اتفاقية لها مع دولة إفريقية، في صفقة مصممة لإنشاء أرضية اختبار مالي رقمي. وعليه كتب الخبيران لورين جونستون ومارك لانتيجن للمنتدى الاقتصادي العالمي:«بينما تطور الصين خطط عملتها الرقمية، قد تكون موريشيوس في نهاية المطاف هي رائدة إفريقيا في هذا المجال». يأتي كل هذا في الوقت الذي استغلت فيه سلطات بكين احتفالات رأس السنة الصينية في 12 فبراير/شباط لنشر ثلاثة مشاريع تجريبية واسعة النطاق لتوزيع يوان رقمي بقيمة 1.5 مليون دولار تقريباً في شكل «حزم حمراء» بقيمة 30 دولاراً لكل منها. بعد ذلك، قامت الصين بتوسيع برنامج اختبار منح العملة الرقمية إلى مدينة تشنجدو، عاصمة مقاطعة سيتشوان وخامس أكبر مدينة من حيث عدد السكان في البلاد، ووزعت حوالي 6 ملايين دولار باليوان الرقمي. يبدو أن طموح الصين يتمثل في وضع حجر الأساس الآن لإطلاق مشروع «اليوان الرقمي» الكامل في عام 2022 وبالتزامن مع انطلاق الدورة الرابعة والعشرين للألعاب الأولمبية الشتوية التي تستضيفها بكين. إذ تشير التكهنات إلى أن المنظمين الصينيين قد يطلبون من جميع الحاضرين والرياضيين تحميل تطبيق يضمن إجراء عملياتهم المالية من ألعاب وفنادق وتذاكر وطعام وهدايا تذكارية باستخدام العملة الرقمية الجديدة. من الصعب عدم مقارنة الريادة الصينية الحالية في تطوير العملة الرقمية، التي تجاهلها المسؤولون الأميركيون حتى الآن، بريادتها العالمية المبكرة في تطوير معايير تقنية «النطاق العريض» لشبكات الجيل الخامس. ولا يمكن لأحد أن ينافس مزودي خدمات «5 جي» ومصنعي المعدات الصينيين على مستوى العالم، وخصوصاً السيطرة الكبيرة لشركة «هواوي». يؤكد إعطاء الصين الأولوية المتسقة للتقدم التكنولوجي اعترافها بأن الدولة التي اتخذت لنفسها مكانة تقنية عالية في هذا الزمن كانت في أغلب الأحيان اللاعب الدولي المهيمن أيضاً. وإذا خسرت الولايات المتحدة الأرضية الخصبة للابتكار التكنولوجي المالي، إلى جانب إضعاف الهيمنة العالمية للدولار، فإن الفوائد التي ستعود على بكين ستكون كبيرة جداً. يوفر نهج الصين المختلف في التعامل مع قضايا الخصوصية ميزة تنافسية لعملتها الرقمية. فبينما ستؤدي حاجة الولايات المتحدة وأوروبا لتلبية مخاوف الخصوصية إلى تعقيد تطوير العملة الرقمية للبنك المركزي، ترى بكين أن اليوان الرقمي وسيلة لتعزيز دور المراقبة والتتبع الهائل لديها بالفعل، وتحسين قدرتها أيضاً على مكافحة غسل الأموال والفساد وتمويل الإرهاب. يشعر بنك الاحتياطي الفيدرالي بالقلق إزاء التسرع في إدخال الدولار الرقمي، نظراً للمخاطر التي يمثلها كعملة احتياطية في العالم، لكن الخطر الجيوسياسي الأكبر يتمثل في مدى سرعة تراجعه. لا يزال الطريق طويلاً وبإمكان الولايات المتحدة الفوز في السباق شريطة أن تبدأ بتطوير دولار رقمي بسرعة، وتتعاون أيضاً في إنشاء «يورو رقمي»، و«جنيه رقمي»، و «ين رقمي». ستعمل القوة الضاربة الإجمالية لهذه العملات على سد فجوة الابتكار بسرعة مع الصين. كما أن ذلك يظهر قيمة العمل مع الحلفاء، وهو محور سياسة بايدن الخارجية.

المصدر: صحيفة الخليج

المادة السابقةالنفط يهبط للجلسة الثالثة قبل صدور بيانات المخزونات الأمريكية الأربعاء 10 مارس 2021
المقالة القادمةفيديو… سمو أمير منطقة جازان يتسلم تقرير هيئة تطوير وتعمير المناطق الجبلية ويدشن بوابتها الإلكترونية
مؤسس ورئيس تحرير الصحيفة