✍️ ملهي شراحيلي

نعرف جميعا حقيقة تأثر الإنسان بما يأكل، لكن نجهل مدى عمق هذا التأثير، ولكي نستطيع معرفة تأثير الغذاء على الإنسان، ينبغي علينا، دراسة تأثير الغذاء على الكائنات الأخرى.
فمن المخلوقات الأخرى صنفٌ يتغذى على اللحوم فقط، وصنفٌ يتغذى على الحشائش والنباتات، وأخرى تتغذى على النباتات واللحوم معاً، ولو تأملنا في تلك المخلوقات سوف نجد أن هناك فرق كبير بين آكلات اللحوم وبين آكلات النباتات، فعلى سبيل المثال، نجد اختلافاً واضحاً بين الدب الأسمر الذي يعيش على اصطياد الحيوانات، وبين الباندا أو الكوالا من حيث الحركة والعدوانية، كما تختلف أيضاً الثدييات المائية حسب الغذاء، فالحوت الأزرق، مثلاً، والذي يتغذى على الطحالب الخضراء، يختلف تماماً عن الحوت القاتل من حيث النشاط والذكاء رغم الفارق الكبير في الحجم، وتختلف الغزلان في حياتها، عن السباع، كما تختلف الصقور، عن الحمائم، وما ذلك إلا لاختلاف طعامها.
وكذلك باقي المخلوقات الأخرى، تختلف طباعها وسلوكياتها ونمط حياتها، بسبب طبيعة ونوع غذائها.
ونحن هنا لانضع الإنسان في منزلة الحيوان، ولايمكن المقارنة بينه وبين المخلوقات الأخرى وإن اشترك معها في نوعية الطعام.

لقد كرم الله هذا الإنسان وشرفه وميزه كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا }. أي: من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات. إلا أن كثيراً من الناس يأبى لنفسه إلا التشبه بالحيوانات في طباعها، وحظه من ذلك بحسب ما غلب عليه منها.
جاء في “في مدارج السالكين”، لابن القيم رحمه الله، في وصف الإنسان، قوله:
(( وهم في أحوالهم متفاوتون بحسب تفاوت الحيوانات التي هم على أخلاقها وطباعها .
فمنهم من نفسه كلبية لو صادف جيفة تشبع ألف كلب لوقع عليها، وحماها من سائر الكلاب، ونبح كلَّ كلب يدنو منها فلا تقربها الكلاب إلا على كره منه وغلبة، ولا يسمح لكلب بشيء منها، وهمه شبع بطنه من أيِّ طعام اتفق ميتة أو مذكى خبيث أو طيب، ولا يستحى من قبيح، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، إن أطعمته بصبص بذنبه ودار حولك وإن منعته هرّك ونبحك.
ومنهم من نفسه حمارية لم تُخلق إلا للكد والعلف كلما زيد في علفه زيد في كده أبكم الحيوان وأقلها بصيرة؛ ولهذا مثل الله سبحانه وتعالى به من حملَّه كتابه فلم يحمله معرفة ولا فقها ولا عملا، ومثّل بالكلب، عالم السوء الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها وأخلد إلى الأرض واتبع هواه .
ومنهم من نفسه سبعية غضبية همته العدوان على الناس وقهرهم بما وصلت إليه قدرته، طبيعته تتقاضى ذلك كتقاضي طبيعة السبع لما يصدر منه.
ومنهم من نفسه فأرية فاسق بطبعه مفسد لما جاروه .
ومنهم من نفسه على نفوس ذوات السموم والحُمَات كالحية والعقرب وغيرهما، وهذا الضرب هو الذي يؤذي بعينه فيدخل الرجل القبر والجمل القدر.
ومن الناس من طبعه طبع خنزير يمر بالطيبات فلا يلوى عليها فإذا قام الإنسان عن رجيعه قمَّه. وهكذا كثير من الناس يسمع منك ويرى من المحاسن أضعاف أضعاف المساوىء فلا يحفظها ولا ينقلها ولا تناسبه فإذا رأى سقطة أو كلمة عوراء وجد بغيته وما يناسبها فجعلها فاكهته ونُقْله.
ومنهم من هو على طبيعة الطاوس ليس له إلا التطوس والتزين بالريش وليس وراء ذلك من شيء .
ومنهم من هو على طبيعة الجمل أحقد الحيوان وأغلظه كبدا.
ومنهم من هو على طبيعة الدب أبكم خبيث، وعلى طبيعة القرد.
وأحمد طبائع الحيوانات طبائع الخيل التي هي أشرف الحيوانات نفوسا وأكرمها طبعا وكذلك الغنم، وكل من ألِف ضربا من ضورب هذه الحيوانات، اكتسب من طبعه وخُلِقه، فإن تغذّى بلحمه كان الشبه أقوى فإن الغاذي شبيه بالمغتذى.
ولهذا حرم الله أكل لحوم السباع وجوارح الطير لما تورث آكلها من شبه نفوسها بها والله أعلم )).

ومما يُنسب( زوراً وباطلاً) لابن خلدون:
” أكل العرب الإبل فأخذوا منها الغيرة والغلظة ..
وأكل الأتراك الخيول فأخذوا منها الشراسة والقوة ..
وأكل الإفرنج الخنزير فأخذوا منه الدياثة ..
وأكل الأحباش القرود فأخذوا منها حب الطرب”.
ومع أن هذا الكلام لم يرد على لسان ابن خلدون، لا في مقدمته ولا غيرها، إلا أن فيه شواهد على تأثير نوع الطعام على صفات الإنسان.

‏إن الفهم العميق للغذاء، يقودنا إلى معرفة أن الطعام ليس فقط للبناء والطاقة، فبعض المواد الغذائية تحتوي على معلومات تشفيرية تتفاعل مع الجينات وتضبطها، ويعتقد بعض الأطباء أن بعض الأمراض الوراثية، كالسكر وأمراض القلب، وأغلب أنواع السرطان، يعود لنقص في هذه المواد.
هذا فيما يخص نوعية الطعام، أما آلية وطريقة تناول الطعام فتأثيرها لايقل أهميةً عن الطعام ذاته، فالكثير من الناس يستخدم الطعام كآلية للتكيف وللتعامل مع مشاعر مثل التوتر أو الملل أو القلق، أو حتى لإطالة مشاعر الفرح.!
وفي حين أن هذا قد يساعد على المدى القصير ، فإن تناول الطعام لتهدئة وتخفيف مشاعرك غالبًا ما يؤدي إلى الندم والشعور بالذنب، ويمكن أن يزيد من المشاعر السلبية، لأنك لا تتعامل بالفعل مع المشكلة التي تسبب التوتر، علاوة على ذلك، قد تتأثر صورتك الذاتية مع زيادة الوزن، أو قد تواجه تأثيرات أخرى غير مرغوب فيها على صحتك، مثل ارتفاع نسبة السكر في الدم أو مستويات الكوليسترول أو ضغط الدم.
وهناك جوانب نفسية وسلوكية واجتماعية للأكل والطعام والنظام الغذائي بصفة عامة، فالبعض لا يأكل لأنه جائع، وإنما لرغبته في ممارسة الأكل فقط!!

وإذا كان نوع الأكل وكميته ووقته يؤثر على مشاعرنا، فمما لاشك فيه أن لبعض المشاعر دور كبير على غذائنا، وبالتالي على حياتنا، كما تلعب الثقافة الشخصية، والعادات الإجتماعية دورها في النُّظُم الغذائية للأفراد والمجتمعات.
إن معرفة الطريقة الصحيحة لتناول الطعام، لاتقل أهمية عن معرفة الطعام الصحي، ومن خلال تعلم كيفية اتخاذ خيارات صحية أكثر وعياً، تكون قادراً على التحكم في الأكل القهري، والنهم، وزيادة الوزن، من خلال التحكم في شهيتك، مما يُكسبك أيضاً شعوراً بالهدوء ومستويات طاقة عالية ويقظة من الأطعمة التي تتناولها، بشكل عام، وهناك العديد من الفوائد لتغيير عادات الأكل العميقة وغير الصحية.
وإذا كانت الأبدان تحتاج إلى الطعام، وتمرض بسببه، فكذلك القلوب والأرواح،
ومن علامات أمراض القلوب عدولها عن الأغذية النافعة.
وتمرضُ القلوبُ بالعدولِ
عن طيّب المطعومِ والمعسولِ
والعلم طعام القلب وشرابه ودواؤه، وحياته موقوفة على ذلكَ، فإذا فَقَدَ القلب العلم؛ فهو ميِّت.
العلمُ للقلب من أفضل الطُعَمِ
فارشف من الذكر أو فارشف من القلمِ.

ويبقى عمر الإنسان، أهم ما يحدد كمية ونوع الطعام الذي يمكن أن يتغذى به، فلكل مرحلة من مراحل الحياة مايناسبها من الطعام، ولكل جيل طعامه المفضل.
قال ابن خفاجه:
أَيُّ عَيشٍ أَو غِذاءٍ أَو سِنَه
لِاِبنِ إِحدى وَثَمانينَ سَنَه
قَلَّصَ الشَيبُ بِهِ ظِلَّ اِمرِئٍ
طالَما جَرَّ صِباهُ رَسَنَه
تارَةً تَسطو بِهِ سَيِّئَةٌ
تُسخِنُ العَينَ وَأُخرى حَسَنَه.

المادة السابقةتوقيع شراكة مجتمعية بين جمعية كهاتين وفريق الجازي التطوعي بالطائف
المقالة القادمةباقة من الفعاليات الاحتفالية بالمعلمين والمعلمات في يومهم العالمي بتعليم جازان