ملهي شراحيلي _جازان

نحن اليوم أمام حدث تاريخي في علم الفلك، وهو إطلاق تلسكوب جيمس ويب إلى الفضاء. لا يمكن إدراك قيمة هذا الحدث العظيم دون تأمل بالتاريخ. 

لاحظ الإنسان القديم في تأمله بالسماء وجود شمس وقمر وشهب ونجوم ثابتة وخمسة نجوم متحركة. تلك النجوم الخمسة ومعها الشمس والقمر هي سبب تكون الأسبوع في 7 أيام يوم لكل جرم متحرك  إلا أن حركة تلك النجوم الخمسة حي علماء البشر وفلاسفتهم لآلاف السنوات، إلى أن أتى كوبرنكس.

أكد كوبرنكس في كتابه الذي نشر عقب وفاته بأن النجوم الخمس عطاردا. لزهرة، المريخ، المشتري، زحل هي أجرام تدور مع الأرض حول الشمس

وبهذا أصبحت الشمس لا الأرض هي محور الكون. كل ما نراه في السماء من منظور كوبرنكس يدور بشكل أو بآخر حول الشمس.

كانت كل اكتشافات البشر في علم الفلك قبل القرن السابع عشر تتم من خلال النظر والحساب والتفكر. لكن حين أتى التلسكوب تغير كل شيء. منح التلسكوب الإنسان قدرة خارقة، فقد مكنه لأول مرة من رؤية أبعد مما تراه

العين المجردة، بل إن مصطلح “العين المجردة” ليس ذا قيمة حقيقية قبل التلسكوب

اسُتخدم التلسكوب بداية للتجسس،إلا أن عددا من العلماء رفعوه إلى السماء، ليروا أشياء في السماء لم يرها أحد من قبل. كان أشهر هؤلاء

العلماء هو غاليليو، ورغم أنه لم يملك أسبقية الاكتشافات، إلا أنه صاحب
التأثير الأعظم بنشره الفوري لما رآه من أشياء جديدة في السماء لعامة الناس.


رأى غاليليو من خلال التلسكوب أطوار الزهرة، مما يؤكد قطعا بأنه ليس
نجما كسائر النجوم، بل هو أقرب لكونه جرما سماويا شبيها بالأرض، وهكذا
بدأت فكرة وجودنا في محور الكون تتبدد أكثر فأكثر.

كما رأى غاليليو أربع نقاط صغيرة من الضوء في السماء كانت كفيلة بإزالة الكثير من الشكوك إزاء اكتشاف كوبرنكس، تلك النقاط الأربع لم تكن سوى

أقمارا تدور حول المشتري. وهكذا وبعد أن كان القمر وحيدا في السماء، أصبح في الكون أقمار متعددة. القمر ليس إلا قمر.

رغم أن مفردة “كوكب” كانت حاضرة عند العرب، إلا أنها لم تكن تعني الكوكب بالمعنى الدارج اليوم. كانت مفردتا “كوكب” و”نجم” تحملان معنى

مقاربا، إلى أن حصل التغير الدلالي بعد اكتشاف غاليليو ليصبح الكوكب ما نعرفه اليوم، مختلف تماما عن النجم.

تغيرت نظرة البشر تماما إلى السماء بعد تلسكوب غاليليو. السماء قبل تلسكوب غاليليو ليست هي السماء بعده. إذا كان كوبرنكس قد أزاح عن الأرض تميزها فقد ازاح عنها غاليليو تفردها

وخلال السنوات اللاحقة، تطور التلسكوب وتطورت المراصد الفلكية لتعتمد

عليه، وتمكن العالم ويليام هيرشل من تأكيد وجود كوكب سابع في المجموعة الشمسية أطلق عليه أورانوس، تلاه اكتشاف يوهان غال لكوكب

ثامن أطلق عليه نبتون، وهكذا اتسعت المجموعة الشمسية أكثر في أعين البشر

 

وفي عشرينيات القرن الماضي، أكد إيدوين هابل من خلال تلسكوب أكثر

تطورا بأن هناك مجرة أخرى غير مجرت نا، مجرة المرأة المسلسلة، مجرة

تحتوي لوحدها على مليارات النجوم والكواكب، وهكذا تضاعف حجم الكون

في إدراكنا له، ولم نعد في مركز المجموعة الشمسية، ولا المجرة،ولا الكون

في التسعينيات، كان البشر على موعد مع أهم حدث فلكي، وهو إطلاق تلسكوب هابل إلى الفضاء، التلسكوب الذي سيمكن البشر من رؤية أبعد مما يمكن رؤيته من أي تلسكوب آخر. لتلسكوب هابل اكتشافات كثيرة، إلا أن أبلغها برأيي هي هذه الصورة: حقل هابل العميق.

 

تحتوي هذه الصورة على آلاف النقاط من الضوء، كل نقطة منها عبارة عن مجرة، وكل مجرة قد تحتوي لوحدها على مليارات النجوم. مع كل تطور في  

التلسكوب ندرك مدى صغرنا ومدى عظمة هذا الكون.

اليوم فصل جديد من حكاية البشر مع استكشاف الكون، وهو إطلاق التلسكوب الأكثر تطورا بمراحل من تلسكوب هابل، بل هو التلسكوب الأكثر  

تطورا على الإطلاق. نحن لا نعلم ما الذي سيرينا إياه تلسكوب جيمس ويب الفضائي، لكن حال نجاح مهمته فإنه سيغير نظرتنا للكون إلى الأبد.

 

المادة السابقةأمير منطقة حائل يرعى غداً حفل تدشين عدت مشاريع بالمنطقة
المقالة القادمةالتحالف يوجه ضربات جديدة للحوثي بصنعاء