صحيفة سعودية الكترونية

صحيفة الرؤية الإلكترونية السعودية

أخلاقُنا بين التنظير والتطبيق

  • 11 مارس 2021
  • 0
  • 339 مشاهدة

أخلاقنا بين التنظير والتطبيق…

بقلم ملهي شراحيلي

كثيراً مانسمع “فلان ماعنده أخلاق”!
أو توصيف أخلاقه بأبشع الأوصاف
ونادراً مانسمع أحدهم يمتدح شخص آخر بقوله “فلان أخلاقه عالية”
لكن ماحقيقة ذلك؟
هل توجد أخلاق فاضلة وأخرى سيئة؟
وقبل هذا وذاك ماهي الأخلاق!؟
ما مصدرها، ومن أين جاءت؟
وهل الأخلاق معارف ومعلومات أم سلوك؟
ما علاقة الأخلاق بالزمان والمكان؟
وهل هي ثابتة أم تتغير بتغيير الظروف المحيطة؟
هل يوجد مقياس للأخلاق ؟
هل الأخلاق مرتبطة بالعلم أم العلم مرتبط بالأخلاق؟
وأخيراً هل الأخلاق ترف فكري أم أنها مرتكز الفكر؟

لا أعتقد أن معياراً من معايير البشرية تعرض للبحث والدراسة أكثر مما تعرضت الأخلاق، ففي كل الأزمنة وعلى مر العصور كانت الأخلاق محل دراسة ومراجعة وتمحيص وأحياناً إعادة صياغة من جديد، ابتداءً من الديانات السماوية مروراً بالمدارس الثقافية والفلسفية الأخلاقية منها وغير الأخلاقية وليس إنتهاءً بالممارسات البشرية وسلوك الإنسانية في الماضي والحاضر وحتى المستقبل، ففي كل زمان ومكان تظهر أخلاق وتختفي أخلاق أحيانا بسبب وفي أكثر الأحيان بلا أسباب، وهذا يعيدنا إلى نفس السؤال
“ماهي الأخلاق”!؟
والإجابة على هذا السؤال ليست سهله لأن تعريف الأخلاق يختلف من جيل إلى جيل ومن مكان إلى مكان، ومن مدرسة إلى أخرى
بل وباختلاف أخلاق المعرفين يختلف تعريف الأخلاق من شخص لآخر!
ومن وجهة نظري المتواضعة أرى أن أفضل تعريف للأخلاق هو:
علاقة الذات بالآخر، سواءً كان هذا الآخر إنسان أو حيوان أو نبات أو جماد أو أي شيء آخر.

فالأخلاق وفق هذا التعريف “علاقة الذات بالآخر ” تخبرنا عن الفعل الصحيح والفعل غير الصحيح في العالم العملي الواقعي، وهذا مايميز الأخلاق عن المنطق، مع أنه يُنظر لها باعتبارها معياراً يقف مع المنطق في منطقة واحدة، فالمنطق يخبرنا عن التفكير الصحيح والتفكير غير الصحيح في العالم الصوري المجرد.
أي أن الأخلاق لاتوجد فيها مساحة من اللا أدري!
واللا أدري هي تعليق الحُكم في قضية ما، وللتوضيح:
لو سألت شخصاً عن أمر ما وقال لا أدري فإن إجابته تعتبر منطقية ومقبولة، أما أخلاقه فهي لا تحتمل اللا أدري لأنه أما أن يفعل أو لايفعل وعدم الفعل يعتبر فعل، ومن هنا جاءت أهمية الأخلاق، ومن هذا المنطلق فالأخلاق لايمكن اختزالها في الترف الفكري المجرد، بل هي ركيزة أساسية من ركائز النفس البشرية، سواءً كانت موجبة أو سالبة، فالكريم لديه أخلاق والبخيل لديه أخلاق ولكن الفرق في صفة تلك الأخلاق.

فإذا اتفقنا أن الأخلاق ليست مجرد معلومات ومعارف يمكن تعلمها وتعليمها بل هي سلوك أو فعل، وأمام هذا الفعل يتبادر إلى الأذهان سؤال ؛ ماذا يجب عليّ أن أفعل!!؟؟
وقد انقسم البشر إلى ثلاثة أقسام فيما يجب عليهم فعله!
ونتج عن هذا الإنقسام ثلاث مدارس في الأخلاق وهي:
الفضيلة
الواجب
النفع
فالقسم الأول جعل الأخلاق في الفضيلة، وهذا القسم قائم على:
“مايجب عليك فعله هو الإلتزام بالفضائل”
والفضائل هي تلك الصفات التي تقف في الوسط بين الرذائل أي أن كل فضيلة تقف بين رذيلتين! فالكرم مثلا وسط بين البخل والتبذير، والشجاعة وسط بين الجبن والتهور وهكذا باقي الفضائل.
أما من يرى الأخلاق “واجب” فهو يرى أن الفعل الصحيح في الوقت الصحيح يعتبر واجب، وأن الأخلاق ماهي إلا واجب نقوم به بغض النظر عن نتيجة مايترتب على ذلك الواجب من نتائج.
فالصدق مثلا واجب يجب أن تؤديه وتمارسه مع من حولك بغض النظر عنما يترتب على ذلك ولو كلفك الأمر حياتك.
القسم الأخير “النفع” وهم يعتبرون الأخلاق مايحقق أكبر نفع لأكبر قد من الناس، أي أن الأخلاق هي كل فعل أو سلوك يحقق منفعة!
ومما لاشك فيه أن هناك تنوع أخلاقي عند البشر يجب احترامه، ولكن هذا التنوع يجب أن يقف عند الحدود التي تحترم الحقوق الإنسانية.

وفي حقيقة الأمر أن الأخلاق مهما كان نوعها ومصدرها وفي أي مكانٍ وزمان لاتخرج من هذا المثلث:
الفضيلة
الواجب
النفع
فشخصٌ يرى أن الأخلاق فضائل فيلزم نفسه ومن حوله بها،
وشخصٌ ينظر لها على أنها واجب
وآخر ينظر لها على أنها منافع.
يقول المفكر العراقي علي الوردي رحمه الله:
‏إن الوعظ يجعل الناس شديدين في نقد غيرهم، فالمقاييس الأخلاقية التي يسمعونها من أفواه الوعّاظ عالية جداً. وهم لا يستطيعون تطبيقها على أنفسهم فيلجؤون إلى تطبيقها على غيرهم، ولذا يكون نقدهم شديداً !
ويقول أحمد شوقي :
الصدق أرفع ما اهتز الرجال له
وخير ما عوّد أبناً في الحياة أبُ
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

وإذا كانت أخلاقنا هي من تحدد علاقتنا بالآخر، ‏فأخطاؤنا جزء من إنسانيتنا ، وإلتزام البعض بمظهر المثالية ليس إلا تمثيل مُتقن فالكمال ليس من طبيعة البشر . وكلما كان الإنسان في سلوكه وتعامله مع من حوله طبيعياً وبدون تكلف كلما كان أرقى أخلاقياً، فالأخلاق ليست فقط سلوك نمارسه بل يجب أن يكون ذلك السلوك متوافق مع مشاعرنا واحاسيسنا فالبخيل الذي يحاول أن يتصنع الكرم سوف ينتهي به الأمر إلى الجنون
والجبان الذي يتصنع الشجاعة سوف ينتهي به الأمر إلى الموت
والذي يؤذي الحيوان سوف ينتهي به الأمر إلى إيذاء البشر
ولا يمكن أن يتحلى شخص بالكراهية والمحبة في وقت واحد حتى وإن حاول ذلك.
فالكريم لايمكن إلا أن يكون كريما مع من يعرف ومن لايعرف مع البشر والحيوانات وحتى الجماد، كريم مع نفسه ومع الآخرين، في فعله وقوله ومشاعره.
يقول المتنبي :
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ
وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها
وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

وإذا أردت أن تعرف أخلاق أي شخص على حقيقتها فانظر كيف يعامل من هو دونه.
‏قال الشاعر :
لا يَعْرِفُ الحُزْنَ إلا كُلُّ مَنْ عَشِقَا
ولَيْسَ مَنْ قَال إِنِّي عَاشِقٌ صَدَقَا
للعَاشِقِينَ نُحُولٌ يُعْرَفُونَ بِهِ
مِنْ طُولِ ما حَالَفُوا الأَحْزَانَ والأَرَقَا.

ويبقى الميزان الحقيقي والمقياس الأدق للأخلاق قدوتنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد وصفه الله جل وعلا فقال:
وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ.

عن النَّوَّاسِ بنِ سمعانَ رضي الله عنه، قَالَ: سأَلتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ عنِ البِرِّ والإِثمِ فقالَ: البِرُّ: حُسْنُ الخُلُقِ، والإِثمُ: مَا حاكَ فِي نَفْسِكَ، وكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلعَ عَلَيْهِ النَّاسُ.
 رواهُ مسلم.

وعن عبداللَّهِ بن عمرو بن العاص رضي اللَّه عنهما قَالَ: لَمْ يَكُنْ رسولُ اللَّه ﷺ فَاحِشًا، وَلا مُتَفَحِّشًا، وكانَ يَقُولُ: إِنَّ مِن خِيارِكُم أَحْسَنَكُم أَخْلاقًا.
 متفقٌ عَلَيْهِ.

والمتأمل في كتاب الله جل وعلا، المتدبّر لآياته لتستوقفه تلكم التوجيهات السامية، والوصايا الجليلة التي تخاطب النفس، وتحثها على التحلي بالأخلاق الفاضلة، لكي ترفع من قدرها، حتى تطهر وتزكو، كيف لا؟
وأصل الرسالة يوجزها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:
(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
ويقول تعالى {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}(151)سورة البقرة، قال السعدي -رحمه الله – في معنى (ويزكيكم): أي (يطهر أخلاقكم ونفوسكم بتربيتها على الأخلاق الجميلة، وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة)، ولذا جاء القرآن بالحث على اكتساب ما يزين النفس من الأخلاق، معبراً عن ذلك بأساليب شتى، وبمواضع عديدة، لكي تشرئب النفوس، وتسعى لتحصيلها.

ملهي شراحيلي
MelhiSharahili@

أترك تعليق



يجب عليك الدخول لترك تعليق.